الحكيم الترمذي
166
غور الأمور
فقال في قصة نوح : " إنه كان عبدا شكورا " « 1 » وقال في إبراهيم : " اجتباه وهداه " « 2 » . وذكر من سواهم من الرسل فقال : " كل من الصابرين " « 3 » - وخصهما بذكر الشكر مع أن كلهم شاكرون ، وعمهم بذكر الصبر مع أنهم كانوا صابرين . فالشاكر قد ظهر ناره فلا يحتاج إلى قدح الزند حتى يرى ، والصابر لا بد من أن يكون هناك شئ حتى يستخرج بالزند ناره . فمنهم من يورى لأنه يابس الباطن من الشهوات ، ومنهم من لا يورى لرطوبة الباطن من الشهوات ، كما أن الحجر إذا أصابته نداوة فضرب بالزند لم يور . ومن درجة الشكر أن اللّه تعالى ذكره في التنزيل ، فقال : " أن اشكر لي ولوالديك " « 4 » ، وقال في الصبر : " وأصبر لحكم ربك " « 5 » وقال : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ « 6 » - فأخبر أن الشكر له والصبر للصابرين ، فشتان بين أمرين أحدهما له والآخر لك . ومن درجة الشكر إنه ذكر الشكر فقال : " اعملوا آل داود شكرا " « 7 » فالعمل إظهار الشكر ، والصبر هو ترك العمل النسبي فذاك عمل ، وهذا كف عن العمل ، ففي هذا الكف ترك الشهوة ، والعمل زيادة ، ومن درجة الشكر أنه ذكره فقال :
--> ( 1 ) سورة الإسرا / الآية 3 . ( 2 ) سورة النحل / الآية 121 . ( 3 ) سورة الأنبياء / الآية 85 . ( 4 ) سورة لقمان / الآية 14 . ( 5 ) سورة الطور / الآية 48 . ( 6 ) سورة النحل / الآية 13 . ( 7 ) سورة سبأ / الآية 13 .